ابن أبي الحديد
74
شرح نهج البلاغة
مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته ! فقال : ( 1 إني لا أدعي أن لي في الاسلام مثل صحبته ولا مثل هجرته ولا قرابته 1 ) ، ولكن خبروني عنكم ، ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ! قالوا : بلى ، قال : فليدفع إلينا قتلته لنقتلهم به ، ولا قتال بيننا وبينه ، قالا : فاكتب إليه كتابا يأته به بعضنا ، فكتب مع أبي مسلم الخولاني : من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإن الله اصطفى محمدا بعلمه ، وجعله الأمين على وحيه ، والرسول إلى خلقه ، واجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله تعالى بهم ، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الاسلام ، فكان أفضلهم في الاسلام ، وأنصحهم لله ورسوله الخليفة من بعده ، ثم خليفة خليفته من بعد خليفته ، ثم الثالث الخليفة المظلوم عثمان ، فكلهم حسدت ، وعلى كلهم بغيت ، عرفنا ذلك في نظرك الشزر ، وقولك الهجر ، وتنفسك ( 2 ) الصعداء ، وإبطائك عن الخلفاء ، تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش ( 3 ) حتى تبايع وأنت كاره ، ثم لم تكن لأحد منهم بأعظم حسدا منك لابن عمك عثمان ، وكان أحقهم ألا تفعل ذلك في قرابته وصهره ، فقطعت رحمه ، وقبحت محاسنه ، وألبت ( 4 ) الناس عليه ، وبطنت وظهرت حتى ضربت إليه آباط الإبل ، وقيدت إليه الإبل العراب ، وحمل عليه السلاح في حرم رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقتل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة ( 5 ) ، لا تردع الظن والتهمة عن نفسك بقول ولا عمل . وأقسم قسما صادقا لو قمت فيما كان من أمره مقاما واحدا تنهنه الناس
--> ( 1 - 1 ) صفين : " ما أقاتل عليا وأنا أدعي في الاسلام مثل صحبته ولا هجرته ولا سابقته " . ( 2 ) صفين : " وفي تنفسك " . ( 3 ) المخشوش : الذي جعل في عظم أنفه الخشاش ، وهو بالكسر عويد يجعل في أنف البعير يشد به الزمام ليكون أسرع في انقياده " . ( 4 ) ألبت الناس : جمعتهم عليه . ( 5 ) الهائعة : الصوت الشديد .